تركيا  بين إنجازات الحاضر وتحديات المستقبل

 بحث من إعداد المستشار العقاري هاني كيالي

تتمتع تركيا بعضوية مجموعة العشرين التي تشكل اقتصاداتها 85 بالمئة من الاقتصاد العالمي، ويحتلّ الاقتصاد التركي المرتبة الثالثة عشرة عالمياً، والسادس أوروبياً ويمضي بخطى حثيثة مقترباً بشكل ملحوظ من نادي العشرة الكبار.

فما الذي يميّز الاقتصاد التركي وجعله يتقدم، ما هي نقاط قوته وإنجازاته ، والمعطيات التي تجعل الكثير من الخبراء المتخصصين  والمستثمرين مستمرين بالرهان على نموه رغم ما شهده من صعوبات مؤخراً.

للوصول إلى إجابات على الأسئلة السابقة وفهم أعمق كقارئين وباحثين ومستثمرين وطالبي جنسية تركية  ينبغي تقديم المحاور

التالية :

نبذة تاريخية عن تركيا

تأسست الجمهورية التركية الحديثة عام 1923 على أنقاض الدولة العثمانية بجهود من مصطفى كمال اتاتورك الذي أصبح رئيساً للبلاد، مقدماً على تغيرات جوهرية اجتماعية وسياسية واقتصادية ولغوية.

بدأت في عام 1946 الحقبة الديموقراطية في تركيا لتحول دون استمراها انقلابات عسكرية بدأت في عام 1960 وانتهت بآخر انقلاب  عام 1980.

اتسمت فترة الانقلابات وما تلاها  بتدهور اقتصادي كبير، حيث بلغت نسبة التضخم 100 بالمئة عام 1971 فلجأت الحكومة إلى برامج تقشفية ، وفي عام 2001 تم تعويم الليرة التركية و بلغ سعر صرفها  مقابل الدولار 1159459ليرة تركية آنذاك. ووفقاً للبنك الدولي فإن الفساد كان يهدر 67 بالمئة من دخل الدولة التركية عام 2003.

وسط امتعاض كبير من الشعب ومن الكثير من النخب المدنية كان لا بدّ من التغيير الذي بدأت بشائره في عام 2002 مع استلام حكومات رشيدة مقاليد الأمور مساهمة بوصول الدولة التركية الى ما هو عليها اليوم من سمعة جيدة ومستقبل واعد.

مقومات وأدوات التغيير :

تمكنت تركيا انطلاقاً من توفر مجموعة مقومات وأدوات أن تحدث فارقاً كبيراً عما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضية، وتتمثّل هذه المقومات والأدوات في القدرة على الانتاج الوفير من خلال امتلاك أدوات الإنتاج كماً ونوعاً، وأهمها:

  • الأرض والموارد الطبيعية:

وجود أنهار دولية ومحلية، ومعدلات هطول عالية لمياه الأمطار، وثروة زراعية غنية جداً، حيث تحتل تركيا المرتبة الأولى على مستوى العالم من حيث عدد المحاصيل الزراعية، إضافة إلى وجود ثروات حيوانية وسمكية ضخمة وثروات باطنية مُستفاد منها وتتمثّل في 60 معدناً على رأسها: الكروم والحديد والرصاص والنحاس والفحم واحتياطي محدود من النفط جنوبي شرقي البلاد.

تمتّع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية إذ تقع تركيا في قارتي العالم القديم آسيا وأوروبا متحكمة في مضيقي بحريين استراتيجيين، هما: “مضيق البوسفور” شمالاً بين البحر الأسود وبحر مرمرة، و”مضيق الدردنيل” جنوباً، بين بحر مرمرة والبحر المتوسط من خلال بحر إيجة. إن موقع تركيا الهام جعلها صلة وصل حتمية للطاقة حيث  تقع بالقرب من أكثر من 70% من احتياطيات الطاقة الأولية المؤكدة في العالم، بينما يقع أكبر مستهلك للطاقة، وهو أوروبا، ملاصقًا لتركيا.

تمتع  بمناخ معتدل يسهل الملاحة الدولية بحراً وجواً وحدود ساحلية شاسعة تبلغ 7200 كلم.

امتلاك أهمية  سياحية كبيرة لجمالها الطبيعي الخلاب، وآثارها  الضاربة في عمق التاريخ.

  • توفر القوى العمالة ورأس المال:

               بلغ إجمالي عدد سكان تركيا 82 مليونا و3 آلاف و882 نسمة خلال عام 2018 بحسب مؤسسة الإحصاء التركية،

              وبحسب المؤسسة نفسها فإن نسبة الشباب من سن 15 إلى 24 سنة في سنة 2017 كان 12 مليون و983 ألف و97

              شاب ما نسبته 16.1 بالمئة من إجمالي السكان آنذاك، مما يدلل على فتوة المجتمع التركي. وبحسب وكالة الأناضول فإن

              عدد القوى العاملة بلغ 31.6 مليون عامل عام 2017 ما يجعل تركيا ثالث أكبر سوق للقوى العاملة في أوروبا، وأكبرها

              من حيث معدّل النمو، وثانيها أوروبياً من حيث المهارة بعد ألمانيا، كما أن قيم المجتمع التركي بمختلف شرائحه

كانت ومازالت تحترم العمل وساعاته للوصول إلى أفضل إنتاجية وتحقيق النجاح.

الإجراءات المتخذة بهدف التغيير والتطوير:

            إن ما سبق من مقومات هامة لا يمكنها التأثير بدون  اجراءات تتخذها ادارة رشيدة ومخلصة ، وقد اختارت البلاد منذ عام 2002  مثل هذه الإدارة التي شرعت بدورها باتخاذ الإجراءات المرجوة ابتداء من ذلك العام، وتمثّلت في أمور أهمها:

  1. محاربة الفساد و التهرب الضريبي والتجارة غير المسجلة وكل ما من شأنه هدر الموارد ودخل الدولة من خلال تعزيز مفهوم فصل السلطات وفرض نظام رقابي فعّال وتشجيع نظام التأمين الخاص.
  2. محاربة التضخم ، وقد توجت الحكومة جهودها في الأول من كانون الثاني \ يناير عام 2005 برفع الصفر من أمام الليرة التركية.
  3. دعم الاستثمار والمستثمرين من خلال تسهيل اقامة الشركات و المعاملات وإصدار قانون الحصول على الجنسية التركية من خلال الاستثمار العقاري ونسج علاقات مميزة مع الاتحادات الاقتصادية، والاتجاه نحو الخصخصة حيث ارتفعت قيمة الشركات المباعة بالخصخصة من 8.1 مليار دولار الى 58.9 ميار دولار. ولدعم رجال الاعمال تم تخفيض مستحقات الضمان الاجتماعي بنسبة 25 بالمئة، كما تم تخفيض الفوائد المصرفية والإصرار بشدة على هذا التخفيض لتشجيع المستثمرين على الاقتراض البنكي.
  4. الاندماج في الاقتصاد العالمي والدخول في مفاوضات جادة للانضمام للاتحاد الأوروبي.
  5. انتهاج سياسة خارجية نشطة مع الدول العربية والاسلامية ودول جنوب القوقاز وآسيا الوسطى مما انعكس إيجاباً على الاقتصاد.
  6. انتهاج سياسة مسؤولة قدمت المصالح الاقتصادية للدولة على المصالح الحزبية من خلال نسج علاقات ودية مع شركات عريقة وعملاقة كشركة كوج ودوغان المدارة من قبل اعضاء يتبعون لأحزاب معارضة كحزب الشعب الجمهوري، والهدف تشجيع تلك الشركات على مواصلة التوسع ، وزيادة الانتاج وبالتالي المساهمة بنمو الاقتصاد .
  7. دعم التصدير والشركات المصدرة بتشريعات كالذي صدر في عام 2010 والقاضي بدعم شركات التصدير مالياً بما يصل إلى 250 الف دولار بالسنة الواحدة. فضلاً عن تقديم دراسات جدوى اقتصادية للأسواق الخارجية المستهدفة مجاناً وتقديم دورات تدريبية، ودعم الفلاحين والقطاع الزراعي.
  8. تطوير بورصة اسطنبول والأسواق المالية هيكلياً وكأساليب عمل، وحماية المساهمين فيها، للارتقاء بها وتشجيع العمل فيها.
  9. الاهتمام بالمورد البشري من خلال تحسين جودة التعليم وإنشاء مزيد من الجامعات، إذ بلغ عدد الجامعات التركية 206 جامعة في عام 2018.

إنجازات الاقتصاد التركي

نتيجة لما سبق من إجراءات وسياسات واستناداً إلى مقومات وأسس راسخة حقق الاقتصاد التركي إنجازات هامة وضعته في طليعة اقتصادات العالم حالياً ، ومن هذه الانجازات نذكر:

  • وصول الناتج المحلّي الإجمالي التركي وهو أهم المؤشرات لتقييم الاقتصاد إلى 851 مليار دولار عام 2017 ، علماً بأن هذا الناتج لم يتجاوز عام 2002 مقدار 232 مليار دولار، ويقدر نسبة زيادة هذا المؤشر الاساسي ب 105 بالمئة في الفترة من عام 2002 و2015. ووفق تقرير لصندوق البنك الدولي عن نصيب الفرد من إجمالي الناتج المحلي في البلدان التي يزيد عدد سكانها عن 50 مليون نسمة جاءت تركيا في المركز التاسع بعد روسيا الثامنة وقبل الصين الثانية عشر.
  • بلغت وتيرة النمو الاقتصادي التركي عام 2017 نسبة 7,4%، وفق مؤسسة الاحصاء التركية، وبذلك تَصدَّرت تركيا مجموعة الدول العشرين، وتجاوزت الصين التي سجلت نمواً في العام نفسه بنسبة 6,8%.
  • صعدت الصادرات التركية في العام الماضي 2018 إلى 168,1 مليار دولار، وهو أعلى مستوى سنوي للصادرات في تاريخ الجمهورية؛ وفي شهر كانون الثاني 2019 بلغت قيمة الصادرات 13 مليار و 170 مليون دولار، أي بزيادة 5,9% مقارنةً مع الشهر نفسه من العام الماضي .وقد بلغت صادرات تركيا عام 2017 مقدار 144 مليار دولار، جاء جزء كبير منها من قطاع السيارات، حيث أنتجت تركيا خلال هذا العام أكثر من مليون ونصف من السيارات بما فيها سيارات رينو وتويوتا وبيجو، تم تصدير معظمها إلى مختلف البلدان، وكانت نسبة 75% منها بلداناً أوروبية. كما صدّرت نركيا 1781 نوعًا من المنتجات الزراعية إلى أكثر من 190 دولة في عام 2016، وتحتلّ اليوم تركيا المرتبة الأولى أوروبياً والسابعة عالمياً من حيث الانتاج الزراعي، فأكبر منتج في العالم للتين والكرز والمشمش، كما أن 70 بالمئة من فستق العالم مصدره تركيا.
  • تحتل تركيا المرتبة السادسة بين دول العالم في مجال السياحة، وقد بلغ عدد السيّاح في العام الماضي زهاء 43 مليون سائح، وذلك بزيادة 23% مقارنةً مع العام الذي قبله. وقد تجاوزت عائدات تركيا من قطاع السياحة خلال العام الماضي 2018 مقدار 29ملياراً و 600 مليون دولار، وذلك بزيادة عن عائدات السنة التي قبلها مقدارها 12,3%.
  • انخفضت حصة الدين العام من 74 بالمائة من إجمالي الناتج المحلي إلى 33بالمائة من إجمالي الناتج المحلي في عام 2017 محققة ومنذ عام 2004  “المعايير التي تم تحديدها باتفاقية ماستريخت المؤسِّسة للاتحاد الأوربي والتي تفرض عدم تجاوز نسبة 60 في المئة” للمديونية العمومية. وبالمثل، انخفض عجز الموازنة في الفترة 2003-2016 من نسبة تزيد عن 10 في المئة ليصل إلى نسبة أقل من 2 في المئة بالنسبة لإجمالي الناتج المحلي، حيث يلبي ذلك أحد معايير اتفاقية ماستريخت المؤسِّسة للاتحاد الأوربي فيما يتعلق بالموازنة العامة.
  • تضاعف كبير في احتياطي البنك المركزي: تضاعف احتياطي البنك المركزي من 26.8 مليار دولار عام 2002 ليصل إلى 95 مليار و 403 مليون دولار في أكتوبر عام 2017.
  • بلغ الاستثمار الأجنبي المباشر بقيمة 180 مليار دولار أمريكي في الأربعة عشر عامًا الماضية، حيث تصدرت في تلك المدة الإمارات العربية المتحدة قائمة المستثمرين من الدول العربية، فيما كان للمملكة العربية السعودية حصة الأسد في الاستثمارات العقارية كأول أو ثاني مشتري العقار التركي وفق ما يأتي في التقارير الدورية الرسمية حول شراء العقار التركي.
  • بحسب مؤشر القوة النارية العالمية لعام 2018 لأقوى جيوش العالم يحتلّ الجيش التركي المركز التاسع عالمياً والثالث أوروبياً،  مع وجود صناعة عسكرية محليّة متطورة وتصدير لنحو 1.8 مليار دولار إلى دول آسيوية وأوروبية .
  • حصول نقلة نوعية كبيرة في مستوى البنى التحتية الوطنية من الجسور المعلقة إلى الأنفاق العملاقة إلى المترو والمترو باص والترامواي والطرق السريعة. وتجوب اليوم حافلات وعربات المترو من تصنيع شركة ” بوزان كايا ” التركية شوارع ألمانيا وتايلند وغيرها من البلدان.المصادر:
  • sasapost.com
  • aljazeera.net
  • turkpress.co
  • https://www.dailysabah.com
  • yenisafak.com
  • http://www.invest.gov.tr