تركيا  بين إنجازات الحاضر وتحديات المستقبل

بحث من إعداد المستشار العقاري هاني

 

الآفاق المستقبلية والتحديات:

مما لا شك فيه أنه رغم كل الإنجازات التركية الهامة على كافة المستويات  ثمّة صعوبات وتحديات جمّة  تواجه تركيا والاقتصاد التركي جعلت الكثير من المراقبين و المستثمرين الحاليين يشككون في قدرة الاقتصاد التركي على استمرار نمّوه وتجاوز الصعوبات. ونعرض فيما يلي مجموعة من المشكلات التي تواجه تركيا لافتين إلى مجموعة من الحلول والحقائق الموضوعة لمواجهتها :

المشكلة الأولى: عجز الميزان التجاري التركي، أي الواردات أكبر من الصادرات، وهذا مردّه بشكل كبير إلى  اعتماد تركيا الدائم على الصادرات من المشتقات البترولية ، مما يضعها تحت رحمة الأسعار العالمية.

والتعليق  على هذه المشكلة يتمثّل في أن تركيا خفّضت – كما أوردنا – قيمة عجز ميزانها التجاري الكبير لتصل إلى قيمة مقبولة بأعراف الدول، مع سعي كبير للاعتماد على الذات وزيادة وتنويع الإنتاج ودعم المصدّرين. ولكن النقلة النوعية الكبيرة  التي ستساهم في الحد من المشتقات البترولية الأجنبية يمكن أن تحققها ثلاثة إجراءات هامة هي:

– البدء بالتنقيب عن البترول في تركيا بحلول عام 2023 الذي يمثل عام الانتهاء من العمل باتفاقية لوزان التي حرمت الدولة التركية من حقها في التنقيب عن النفط لمدة 100 عام، علماً أنه يتوقع أن تكون المياه الإقليمية التركية عائمة على بحر من البترول.

– البدء بالاستثمار التجاري لمضيق البوسفور الرابط بين البحر الأسود وبحر مرمرة، وذلك بانتهاء العمل باتفاقية لوزان التي حرمت تركيا أيضاً من حقها في تحصيل الرسوم من السفن المارة فيه لمئة عام.

– بناء محطات طاقة نووية لتوليد الطاقة، فقد وقّعت تركيا عقوداً مع كل من روسيا والصين واليابان لبناء 3 محطات نووية، أثنان منهما ستكونان في الخدمة عام 2023، وتقع تلك المحطات النووية قرب مدينة مرسين في الجنوب التركي، و قرب ساحل البحر الأسود في ولاية سينوب في الشمال، وفي منطقة تراقيا شمال غرب مدينة اسطنبول.

المشكلة الثانية: التشكيك في قدرة تركيا على الحفاظ على استقرارها السياسي  والاقتصادي ونمّوها المستدام  وصمودها أمام الأزمات السياسية والعقوبات الأميركية:

والتعليق على هذه المشكلة يتمثّل في أنه يمكن توقع استمرار الاستقرار ومواصلة التقدم للأسباب التالية:

  1. حسمت تركيا توجهها الاستراتيجي أصلاً بعضويتها القديمة في حلف الناتو عام 1952، واندمجت بالاقتصاد الأوروبي من خلال اتفاقية الاتحاد الجمركي مع الاتحاد الأوربي عام 1996، مجرية مفاوضات طويلة وجادة للانضمام للاتحاد الأوروبي وعليه فإن أية خلافات واستقلالية قرار لا يعني بأي حال من الأحوال خروج تركيا من المنظومة الأوروبية أو العزلة. ورغم تسليم القس الأميركي  الذي كان محتجزاً في تركيا إلى السلطات الأميركية وتحسّن العلاقات التركية الأميركية نسبياً فإن بعض المحللين لا يعيرون أهمية كبيرة للضغوطات الاقتصادية التي يمكن أن تمارسها الولايات المتحدة الأميركية، إذ أن الأرقام  تفيد أن حجم التبادلات التجارية مع أمريكا شكّلت 5.2 بالمئة فقط من اجمالي التجارة الخارجية لتركيا عام 2017، هذا ولم تتعاظم هذه النسبة في السنتين الأخيرتين.
  2. قدّمت استقلالية القرار التركي قدراً جيداً من المرونة في معالجة المشكلات بالتعاون مع الصين وروسيا ودول أفريقيا، مع الإتجاه إلى ربط الليرة التركية بالذهب أو بسلة من العملات، ودعم فكرة الاكتفاء الذاتي ما أمكن، وما البدء بتنفيذ القرار بإنشاء وكالة الفضاء التركية في ديسمبر 2018 والتصريحات التي أعقبتها إلا دليل على الاتجاه نحو الاكتفاء الذاتي في مجالات عدة أهمها المجال العسكريّ.
  3. يقظة استثنائية من قوات الأمن لمنع أية خروقات قد تعكر صفو الاستقرار وتؤثر على السياحة والاستثمار.
  4. أكد الشعب التركي على دعم الاستقرار  وترسيخ الديمقراطية فيها ، وما موقف الشعب التركي الرافض بمختلف شرائحه وانتماءاته الحزبية لمحاولة الإنقلاب العسكري الأخيرة إلا دليلاً كبيراً على عمق قيم الديموقراطية لديه، وإصراره على عدم العودة إلى الوراء.
  5. تقام مشاريع ضخمة احتفاء بعام 2023 ، وخير شاهد على هذا مطار اسطنبول الجديد الذي  سيساهم بزيادة المشاريع الاستثمارية في تركيا وزيادة فرص العمل، ذلك لأنه سيكون لدى انتهاء مراحل بنائه كافة” أكبر مطار في العالم، ولأنه سيحول إسطنبول إلى مركز للرحلات الجوية يتيح السفر إلى وجهات عديدة دون الحاجة إلى المرور بمطارات أوروبا، وهذا ما أكده مؤخرا” الرئيس الألماني السابق كريستيان فولف.  وفي اوائل عام 2018 تم الانتهاء من التنقيب في مسار مشروع عملاق آخر، وهو  مشروع قناة اسطنبول الجديدة العملاق الواصل بين بحيرة كوشوك شكمجه جنوباً والبحر الأسود شمالاً، حيث  سيكون مشروع القرن للدولة التركية لأنه سيكون بمثابة البوسفور الجديد الذي سيخفف العبء عن مضيق البوسفور الحالي ويقدّم للدولة التركية دخلاً جديداً . ومن المشاريع الهامة الفريدة  مشروع نفق اسطنبول الكبير  الذي يتألف من 3 طوابق، اثنان منها سيكونان مخصصان للعربات وطابق آخر للقطارات والمترو، ومن المخطط أن يعبر جزء منه تحت قاع البحر في مضيق البسفور واضعاً هذا النفق حداً للازدحام المروري،و مختصراً الكثير من الوقت.
  6. استمرار دعم المستثمرين الخارجيين من خلال إصرار الرئاسة التركية على تخفيض معدّل الفائدة، وتقديم كل التسهيلات للمستثمرين، ووفق مؤشر العوائق التنظيمية للاستثمارات الأجنبية المباشرة الخاص بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية فإن تركيا هي ثاني أكبر مناخ يتعرض للإصلاحات بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية من حيث القيود المفروضة على الاستثمارات الأجنبية المباشرة منذ عام 1997 وحتى عام 2017.
  7. يعتبر المجتمع التركي مجتمعاً فتيّاً بأياد عاملة ماهرة ومدرّبة و رخيصة نسبياً، إضافة إلى  وجود ما يزيد على 800 ألف طالب يتخرج سنويًا من أكثر من 183 جامعة تركية.
  8. يقدّم العرب المقيمون في تركيا قيمة مضافة للاقتصاد التركي، وبخاصة العراقيين الذين يحتلّون المرتبة الأولى في مبيعات العقار التركي من العرب، مع التأكيد على أهمية دور السوريين الهام ففي مقال للكاتب المعروف  ياسين أقطاي  فإن السوريين اللاجئين في تركيا ـعلى عكس ما يُروَّج له ـلا يجلسون يتلقون المعونة، بل يعملون بنشاط وحيوية ويقدمون مساهمات كبيرة في الاقتصاد التركي.  فخلال عام 2014 ضَخّ 4500 رجل أعمال سوريّ استثمارات في السوق التركية بقيمة 1,22 مليار ليرة تركية، وفي عام 2015 حَلّ السوريون في المركز الثاني بعد الألمان على قائمة أكثر الأجانب استثماراً في تركيا، وتبلغ قيمة الاستثمارات السورية في تركيا هذا العام 2019 مقدار 3,5 مليار دولار تَضخها ستة آلاف شركة سورية. ولا شك أن مساهمة السوريين والعرب وغيرهم من الأجانب في الاقتصاد التركي ستتضاعف في الفترة القادمة بفضل البيئة الاستثمارية الملائمة جداً، والتي تسعى تركيا إلى تحسينها بالنسبة إلى الأجانب.

 

  1. وفقاً لوكالة فيتش Fitch للتصنيف الدولي يُتوقَّع أن ينمو الاقتصاد التركي خلال السنوات الخمس القادمة بنسبة 4,8% سنوياً، علماً بأن متوسط معدل النمو السنوي في مجموعة الدول العشرين، لا يتجاوز  3,8% ،  فبما جاء في قرير آفاق الاقتصاد العالمي الصادر عن صندوق النقد الدولي توقع النمو الحقيقي للناتج المحلّي الإجمالي على الشكل التالي:
  1. على الرغم من العبء الذي يشكله التضخم المتزايد على الاقتصاد التركي، إلا أن زيادة الأسعار لم تكن جوهرية بالنسبة لمجموعة هامة من السلع والخدمات في تركيا، ولعل القطاع العقاري كان من أكثر القطاعات التي لم تتأثر سلبياً بهذا التضخم، حيث زاد الطلب على العقارات من الأجانب عام 2018 بمقدار 81,9 بالمئة عما كانت عليه عام 2017، وزادت في الربع الأول من عام 2019 بمقدار 82 بالمئة عما كانت عليه في الفترة نفسها من عام 2018 بحسب بيانات مركز الإحصاء التركي، وبحسب المركز نفسه فقد بلغت قيمة العقارات المباعة للأجانب في الربع الأول من هذا العام  13338 عقاراً، فيما بلغت 7314 عقاراً في عام 2018 فقط، ومما يفسّر زيادة الطلب الملحوظ هذا ، هو الثبات النسبي لأسعار العقارات في ظل انخفاض سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار حيث تمكن المشترون والمستثمرون من شراء عقارات أكثر من حيث العدد أو القيمة بنفس المبلغ الذي كان مخصص من قبلهم مسبقاً لعملية الشراء.

مما تقدّم يتبيّن أن تركيا سارت في السنوات الخمس عشرة الأخيرة على طريق التقدم والتطور بخطى حثيثة محققة قفزات نوعية جعلتها في مصاف الدول العشرين الأكثر تقدماً في العالم، وهي تواصل سيرها على أسس متينة مستندة إلى رصيد كبير من الخيرات والموارد والعمل المتفاني ..وإلى تقاليد ديمقراطية تتيح تكافؤ الفرص والعدالة ، وإلى بيئات استثمارية مشجعة للاستثمار المحلّي والأجنبي، وشبكة من العلاقات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية مع مختلف بلدان العالم، ولا شك أن طريق التقدم الذي تسلكه تركيا لا يخلو من العقبات، إلا أن كل الإمكانيات متوفرة لتجاوزها، وقد كانت تركيا في تاريخها مثالاً يحتذى بتجاوز عقبات أكبر بكثير.

 

المراجع: